محمد بن جرير الطبري
373
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بقوله : " يا ليتني كنتُ ترابًا " . وأما قوله : " ولا يكتمون الله حديثًا " ، فإن أهل التأويل تأوّلوه بمعنى : ولا تكتم الله جوارحُهم حديثًا ، وإن جحدتْ ذلك أفواههم . ذكر من قال ذلك : 9520 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام قال ، حدثنا عمرو ، عن مطرف ، عن . المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : أتى رجلٌ ابن عباس فقال : سمعت الله يقول ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [ سورة الأنعام : 23 ] ، وقال في آية أخرى : " ولا يكتمون الله حديثًا " . فقال ابن عباس : أما قوله : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهلُ الإسلام قالوا : " تعالوا فلنجحد " ! فقالوا : " والله ربنا ما كنا مشركين " ! فختم الله على أفواههم ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم ، فلا يكتمون الله حديثًا . 9521 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن رجل ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : أشياءُ تختلفُ علي في القرآن ؟ فقال : ما هو ؟ أشك في القرآن ؟ قال : ليس بالشك ، ولكنه اختلاف ! قال : فهات ما اختلف عليك . قال : أسمع الله يقول : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [ سورة الأنعام : 23 ] ، وقال : " ولا يكتمون الله حديثًا " ، وقد كتموا ! فقال ابن عباس : أما قوله : " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ، ولا يغفر شركًا ، ولا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره = جحد المشركون فقالوا : " والله ربنا ما كنا مشركين " ، رجاءَ أن يغفر لهم ، فختم على أفواههم ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، فعند ذلك : " يَودّ الذين كفروا وَعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرضُ ولا يكتمون الله حديثًا " .